ترصد مرام حمّاد في هذا التقرير معاناة الفلسطينيين في غزة وهم يصطدمون بالهوة بين الوعود السياسية والواقع اليومي القاسي، مع انطلاق ما يُعرف بالمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وتشكيل لجنة جديدة لإدارة شؤون القطاع وسط استمرار القصف والقيود الإسرائيلية.


وتنشر الجزيرة هذا التقرير في وقت يعلّق فيه سكان غزة آمالًا حذرة على المرحلة الثانية، بينما تهيمن الشكوك على قدرتها على إحداث تغيير فعلي في حياتهم، في ظل استمرار إغلاق المعابر وتدهور الأوضاع الإنسانية.


آمال معلّقة على لجنة بلا صلاحيات


يقضي خالد أبو جرّار، البالغ 58 عامًا، أيامه محاولًا إيجاد سبيل لعلاج زوجته المصابة بسرطان الكبد. يدرك أن العلاج غير متاح داخل غزة، ويأمل أن يسمح فتح معبر رفح بسفرها العاجل إلى الخارج. نزح خالد مع أسرته من بيت حانون إلى مدينة غزة منذ أكثر من عام، ويعيش اليوم في مأوى مؤقت داخل مبنى المجلس التشريعي السابق.


ينتظر خالد أن تُحدث اللجنة الوطنية لإدارة غزة فرقًا حقيقيًا، بعد اجتماعها الأول في القاهرة لتولي إدارة شؤون القطاع بدلًا من حركة حماس، ضمن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنت الولايات المتحدة بدءه. لكنه يبدي تشككًا واضحًا، مؤكدًا أن اللجنة ستفشل إن بقيت مجرد إطار شكلي بلا سلطات حقيقية.


يعكس تشاؤم خالد واقعًا أوسع، إذ تواصل إسرائيل هجماتها، وتقتل مئات الفلسطينيين منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، وتعارض علنًا اللجنة الجديدة، وتغلق المجال أمام أي تحسن ملموس في الحياة اليومية، بما في ذلك إيقاف عمل منظمات إنسانية دولية تقدّم الغذاء والعلاج.


إدارة جديدة تحت القصف والقيود


يعيش آلاف النازحين في مبانٍ حكومية مدمرة جزئيًا، ما يوضح حجم التحدي أمام أي إدارة جديدة. وتطرح هذه الظروف أسئلة أساسية: هل تستطيع اللجنة تجاوز القيود الإسرائيلية؟ وهل تملك القدرة على تحسين حياة سكان أنهكتهم الحرب والنزوح؟


تُقدَّم اللجنة بوصفها إطارًا “محايدًا” يضم شخصيات تكنوقراطية غير فصائلية، ويقودها علي شعث، نائب وزير سابق في السلطة الفلسطينية. لكن يرى محللون فلسطينيون أن نجاحها لا يرتبط بأسمائها بقدر ما يرتبط بقدرتها على العمل في بيئة تفرض إسرائيل سيطرتها عليها.


يشير المحلل السياسي عاهد فروانة إلى تصريحات بنيامين نتنياهو التي وصف فيها المرحلة الثانية بأنها “رمزية”، معتبرًا ذلك دليلًا على غياب نية حقيقية للتعاون. ويؤكد أن إسرائيل لم تلتزم حتى الآن بتعهدات المرحلة الأولى، مثل وقف الهجمات، والانسحاب من مناطق محددة، وفتح معبر رفح.
يرجّح فروانة استمرار إسرائيل في خرق الاتفاق وتوسيع المنطقة العازلة، مع استخدام ذرائع سياسية وأمنية، ويرى أن الضغط الأميركي وحده قادر على فرض تنفيذ حقيقي لبنود المرحلة الثانية.


حياة تحت الحصار وانتظار بلا نهاية


تنفي إسرائيل فرض قيود على دخول المساعدات، لكن منظمات دولية وسكان غزة يشيرون إلى بطء الإجراءات وتعقيد التفتيش، ما يقيّد دخول المواد الأساسية، خصوصًا مستلزمات الإعمار والبنية التحتية. وتؤكد الأمم المتحدة أن الوضع الإنساني لا يزال كارثيًا، وأن جزءًا كبيرًا من المساعدات المتفق عليها لم يدخل القطاع بعد.


يبقى معبر رفح مغلقًا، ما يجعل غزة شبه معتمدة كليًا على معبر كرم أبو سالم الخاضع لرقابة أمنية إسرائيلية مشددة. وتزداد صعوبة الحديث عن إدارة مدنية فعالة في ظل عجز اللجنة عن التحكم بحركة المواد والأفراد.
تجسّد أسماء منّون، البالغة 45 عامًا، هذه المأساة اليومية. فقدت أحد أطفالها خلال الحرب، وتعيش مع زوجها المصاب في درج مبنى شبه مدمر بمدينة غزة. لم تسمع بدايةً عن اللجنة أو عن المرحلة الثانية، بسبب انقطاع الكهرباء والإنترنت. حاولت العودة إلى جباليا، لكن القصف المتواصل أجبرها على الفرار مجددًا.


تتمنى أسماء أن تنجح اللجنة في تنظيم دخول المساعدات وتوزيعها، لكن الواقع لا يبعث على التفاؤل. ويقول زوجها محمد إن الأوضاع لم تتغير منذ عامين، وإن المساعدات لم تصل منذ شهور، بينما يستمر استخدام الحصار والفوضى أداةً للعقاب.


تكشف هذه الشهادات أن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، رغم عناوينها السياسية، تصطدم على الأرض بواقع القصف المستمر، والإغلاق، وانعدام الأمان، ما يجعل آمال الغزيين معلّقة بين انتظار طويل وشك عميق في وعود لا تتحقق.

 

https://www.aljazeera.com/features/2026/1/21/palestinians-in-gaza-confront-reality-behind-ceasefires-second-phase